السيد محمد باقر الصدر

414

أئمة أهل البيت ( ع ) ودورهم في تحصين الرسالة الإسلامية ( تراث الشهيد الصدر ج 20 )

الحياة فتقود وتحكم ، ثمّ سرعان ما تهزم ، وسرعان ما تضطرّ إلى الانسحاب ، لكي تسترجع مرّةً أخرى الاقتناعَ الذي فقدته خلال التطبيق ؟ هل هذا قَدَرٌ لازمٌ على النظريّة الإسلاميّة ؟ لا ، هذا ليس قَدَراً لازماً على النظريّة الإسلاميّة ، وإنّما كان هذا قَدَراً لازماً على النظريّة الإسلاميّة في الظروف الموضوعيّة الخاصّة التي تفتّق عنها حكم الإمام علي ( عليه أفضل الصلاة والسلام ) ؛ ذلك لأنّ الإمام عليّاً حينما حكم ، وحينما جاء ليمارس تطبيق هذه النظريّة كاملةً غير منقوصة ، جاء معتمداً على شعبٍ لم يتفاعل معه ساعة ، لم يعش معه يوماً ، لم يصرف معه في سبيل إعداده لهذه النظريّة جهداً . الشعب الذي قام بحماية هذا التطبيق وشكّل الجيش المحارب للإمام علي كان شعب العراق . وبالرغم من أنّ شعب العراق وقتئذٍ كان يبدو من أكثر شعوب الامّة الإسلاميّة إخلاصاً للإمام علي - ولهذا نادى أهل العراق بالإمام عليٍّ خليفتهم « 1 » - ، إلّا أنّ استجابة هذا الشعب واستجابة قطّاعات أخرى مصريّة وفي الجزيرة العربيّة للإمام علي ( عليه الصلاة والسلام ) كانت استجابةً على أساس الرصيد الضخم الذي كان يتمتّع به الإمامُ علي ، على أساس هذا النوع من التاريخ الكبير الذي كان يعيشه الإمامُ عليٌّ في أذهان المسلمين . المسلمون حينما عاشوا محنة انحراف عثمان ، ثمّ بعد هذا محنةَ مقتل عثمان ، وحينما وجدوا أمامهم مشاكل كبيرةً فوق الحلّ من الإنسان الاعتيادي ، اتّجهوا بأنظارهم - بطبيعتهم - إلى صحابيٍّ كبير ، اتّجهوا ليفتّشوا عن صحابيٍّ كبيرٍ يستطيع - بما يحمل من تراث محمّدٍ ( صلّى الله عليه وآله ) - أن يتغلّب على هذه المشاكل الكبيرة ، ويملأ هذا الفراغ الكبير ، ويعيد الأمور إلى وضعها الطبيعي . فكان أن

--> ( 1 ) من كتاب عبد الله بن عبّاس إلى عمرو بن العاص : « فإنّ أهل العراق بايعوا عليّاً وهو خيرٌ منهم ، وأهل الشام بايعوا معاوية وهم خيرٌ منه » الفتوح 150 : 3 - 151 .